السيد أحمد الهاشمي

37

جواهر البلاغة

وكن في ثلاث منازل : فإن أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقا عذبا وفخما سهلا ، ويكون معناك ظاهرا مكشوفا ، وقريبا معروفا . إمّا عند الخاصة : إن كنت للخاصة قصدت ، وإمّا عند العامة : إن كنت للعامة أردت ، والمعنى ليس يشرف بأن يكون من معاني الخاصة ، وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة ، وإنما مدار الشرف على الصواب ، وإحراز المنفعة ، مع موافقة الحال ، وما يجب لكل مقام من المقال ، وكذلك اللفظ العامّي والخاصي ؛ فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك وبلاغة قلمك ، ولطف مداخلك ، واقتدارك على نفسك . . . على أن تفهم العامة معاني الخاصة ، وتكسوها الألفاظ الواسعة التي لا تلطف عن الدّهماء ، ولا تجفو عن الأكفاء ، فأنت البليغ التام . فإن كانت المنزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك ، ولا تسنح لك عند أوّل نظرك ، وفي أول تكلفك ، وتجد اللفظة لم تقع موقعها ، ولم تصل إلى حقّها : من أماكنها المقسومة لها ، والقافية لم تحلّ في مركزها وفي نصابها ، ولم تصل بشكلها ، وكانت قلقة في مكانها ، نافرة من موضعها . فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن ، والنزول في غير أوطانها ، فإنك إذا لم تتعاط قرض الشعر الموزون ، ولم تتكلف اختيار الكلام المنثور ، لم يعبك بترك ذلك أحد . وإن أنت تكلفته ، ولم تكن حاذقا مطبوعا ، ولا محكما لسانك . بصيرا بما عليك أو ما لك ، عابك من أنت أقلّ عيبا منه ورأى من هو دونك أنه فوقك . فإن ابتليت بأن تتكلف القول ، وتتعاطى الصنعة ، ولم تسمح لك الطباع في أول وهلة ، وتعصى عليك بعد إحالة الفكرة ، فلا تعجل ولا تضجر ودعه بياض يومك ، أو سواد ليلك ، وعاوده عند نشاطك وفراغ بالك ، فإنك لا تعدم الإجابة والمواتاة ، إن كانت هناك طبيعة ، أو جريت من الصناعة على عرق . فإن تمنع عليك بعد ذلك من غير حادث شغل عرض ، ومن غير طول إهمال ، فالمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصناعة إلى أشهى الصناعات إليك ، وأخفها عليك . . . ، لأن النفوس تجود بمكنونها مع الرغبة ، ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة ؛ كما تجود به مع المحبة والشهوة . فهكذا هذا .